يأتي عيدُ الاستقلال هذا العام، والشعبُ اللبناني ما زال يخوض معركته نفسها التي بدأها قبل اثنين وثمانين عاماً: معركةَ التحرّر من كل أشكال الاحتلال والهيمنة والوصاية! فلبنان لم يُبنَ بقرارات فوقية،
ولا بتسويات طائفية، بل صنعته إرادة الناس التي وقفت في وجه الاحتلال الفرنسي، وانتزعت استقلالها بدماء الشهداء؛ وفي مقدمتهم أبناء طرابلس الذين واجهوا قوات الاحتلال، فارتقى منهم أربعة عشر شهيدًا كان لهم الدور الحاسم في فرض الاستقلال واقعًا. ومن الطبيعي، في هذا السياق،
أن تأتي مطالبةُ فخامة رئيس الجمهورية بتكريم هؤلاء الشهداء خطوةً في الاتجاه الصحيح، بوصفها واجبًا على الدولة تجاه من قدّموا دماءهم في سبيل الحرية،
لا باعتبارها مبادرةً ظرفية أو ذات طابع سياسي.
لقد أثبت التاريخ أن الشعب اللبناني، بكل فئاته وشرائحه الكادحة، كان دائمًا مصدر الشرعية الوطنية، وصاحب المشروع الحقيقي للاستقلال. وهو الذي حمل لاحقًا راية المقاومة في مواجهة الاحتلال الصهيوني، والحصار الأميركي، ومشاريع الهيمنة المتعاقبة.
فهذه البلاد لم تُحمَ يومًا بخطابات السياسيين ولا بمحاصصاتهم، بل حمتها سواعدُ الفقراء، وصمودُ القرى الجنوبية والبقاعية، وشجاعةُ المقاومين الذين دفعوا أثمانًا باهظة دفاعًا عن الأرض والكرامة.
إنّ الاستقلال اليوم مهدَّد بأكثر من وجه: فالعدوان الإسرائيلي يتواصل بأشكال متعددة، والحصار الأميركي يستهدف اقتصاد البلاد ومقوّمات صمودها، فيما تستمر المنظومة الطائفية ـ بما هي تحالف بين رأس المال الريعي وزعامات الطوائف ـ في لعب دور الوسيط المحلي للمصالح الخارجية.
هذه المنظومة، التي ورثت موقع الانتداب بشكل غير معلن، استبدلت سلطة الاحتلال بسلطة طبقة حاكمة تتحكم بالثروة والقرار، وتجعل الدولة أداةً لخدمة امتيازاتها على حساب حقوق المواطنين وكرامتهم.
فالخطر على الاستقلال لم يعد خارجيًا فحسب؛ إذ إنّ النظام الاقتصادي – الطائفي – الريعي الذي يحكم لبنان يشكّل بدوره نوعًا من الهيمنة الداخلية التي تقيّد القرار الوطني وتنتج التبعية. إنه نظام يُعيد إنتاج نفسه عبر الفقر والبطالة والهجرة والانهيار، ويستخدم الطائفية لتغطية مصالح شبكة من المصارف والاحتكارات والسلطة السياسية.
ولذلك، فإن التحرّر الوطني لا يكتمل من دون تفكيك هذه البنية التي تُبقي الشعب تحت احتلالٍ اجتماعي – اقتصادي لا يقلّ فتكًا من أي احتلال خارجي.
إنّ مسؤولية حماية الاستقلال اليوم تقع على عاتق الشعب نفسه، كما كانت دائمًا. فالطبقات الشعبية التي واجهت الاحتلال في الماضي، ووقفت في وجه العدوان الإسرائيلي، وصمدت في وجه الإرهاب التكفيري، هي وحدها القادرة على إعادة بناء المعادلة الوطنية،
وصون السيادة، وإقامة دولة عادلة تُنهي منظومة الامتيازات التي صادرَت الدولة وحوّلتها إلى مزرعة.
وبهذه المناسبة، يؤكَّد على الآتي:
تعزيز الوحدة الشعبية والوطنية، بوصفها شرطًا لمواجهة الاحتلال والعدوان وتحصين السيادة.
رفض التبعية والوصاية الأجنبية بكل أشكالها، والتصدّي للضغوط الأميركية والسياسات التي تستهدف المقاومة والطبقات الشعبية.
التمسك بحق لبنان في الدفاع والمقاومة ضد أي عدوان، باعتباره حقًا سياديًا غير قابل للتفاوض أو الابتزاز.
إعادة الاعتبار للدور الشعبي في صناعة القرار الوطني، وبناء دولة عادلة تُنهي نظام المحاصصة الطائفية والفساد، وتعيد توجيه الموارد لخدمة الناس.
تحرير الموارد الوطنية، وحماية الثروات البرية والبحرية من الأطماع الخارجية، ورفض أي تسوية تنتقص من حقوق لبنان أو من سيادته أو من حقوق طبقاته العاملة.
إنّ الاستقلال ليس ذكرى احتفالية، بل معركة متواصلة يخوضها الشعب دفاعًا عن أرضه وكرامته ومستقبل أبنائه.
والشعب الذي انتزع استقلاله الأول، وأسقط الاحتلال الصهيوني عام 2000، وصمد في حرب تموز 2006، وأسقط الإرهاب عام 2017، قادر اليوم أيضًا على إسقاط نظام الامتيازات الذي يهدد استقلاله من الداخل،
كما يواجه الأخطار القادمة من الخارج.
عاش لبنان حرًا… وعاشت إرادة شعبه المقاومة.
أمانة السر
طرابلس: ٢٢ – ١١ – ٢٠٢٥.


